متابعة / كنوز ميديا_  قبل عام واحد فقط، وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أنقرة للحديث عن آفاق “شراكة إستراتيجية” مع تركيا. الآن، بات بوتين غاضبًا بسبب إسقاط تركيا للطائرة الروسية ولديه رسالة مختلفة لأنقرة: ستكون هناك “عواقب وخيمة”.

ولكن على الرغم من اللهجة المتشددة، فإن البلدين يبدو أنهما سيواصلان العمل معًا، حتى لو تبددت الأحلام الخاصة بتدشين شراكة أوسع يوم الثلاثاء. تحصل تركيا على نحو 60 في المئة من الغاز الطبيعي من روسيا، لكن موسكو لا يمكن أن تتخلى بسهولة عن السوق الأوروبية الوحيدة التي يتزايد فيها الطلب على الغاز الطبيعي، وخاصة في وقت أدى فيه انخفاض أسعار النفط إلى كبح جماح الاقتصاد المعتمد على التصدير. كما أن إلغاء مشروع خط الأنابيب الذي تبلغ قيمته 40 مليار دولار في ديسمبر، يعني أن الرئيس الروسي لن يتخلى عن خليفته، وهو مشروع آخر تبلغ قيمته 12 مليار دولار مخصص لنقل الغاز عبر البحر الأسود إلى تركيا، وصولاً إلى أوروبا.

“المكان الوحيد التي تقول روسيا إنه يمثل محور اهتمامها هو تركيا” كما قال سيجبرين دي يونغ، الخبير الروسي في مركز لاهاي للدراسات الإستراتيجية. “هل يريدون حقًّا إفساد ذلك؟ أشك بصدق. لقد أصبحت الطاقة سلاحًا غير فعال”.

وبالنسبة لتركيا، التي هددت بقطع العلاقة الثنائية في مجال الطاقة الشهر الماضي بعد أن بدأت روسيا بقصف المتمردين في سوريا وانتهاك المجال الجوي التركي، ليس هناك ببساطة خيارات كثيرة جذابة أخرى سوى الاستمرار في التعاون التجاري مع موسكو. ينمو طلب تركيا على الغاز الطبيعي، وروسيا هي أحد البدائل الحقيقية القليلة المتاحة لأنقرة للحصول على الوقود، وذلك على الأقل في المدى القصير. الأكثر من ذلك، تساعد روسيا في تمويل وبناء محطة للطاقة النووية في تركيا بقيمة 20 مليار دولار وهي ضرورية لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء. قال وزير الطاقة التركي الجديد بيرات البيرق، نسيب الرئيس رجب طيب أردوغان الثلاثاء، إن العلاقات في مجال الطاقة بين البلدين لن تكون مهددة.

اهتز التقارب الروسي- التركي الذي دشنه بوتين وأردوغان العام الماضي بفعل قرون من العداء والتنافس، لا سيما بسبب الانقسامات الحادة حول الحرب الأهلية الدائرة في سوريا. فأردوغان هو من أشد المعارضين للرئيس السوري بشار الأسد، ودعا مرارًا وتكرارًا إلى الإطاحة به. بينما يدعم بوتين الأسد بشكل غير مباشر منذ سنوات قبل الانخراط فعليًّا في الصراع في سبتمبر الماضي عن طريق إرسال طائرات حربية إلى سوريا لقصف الجماعات المتمردة المتحالفة مع الولايات المتحدة التي تعمل للإطاحة بالديكتاتور السوري.

ظهرت هذه التوترات بشكل كبير إلى الواجهة يوم الثلاثاء. لمدة شهرين تقريًبا، أخبر المسؤولون الأتراك مرارًا روسيا أنهم لن يسمحوا بانتهاك المجال الجوي التركي، وهددوا بإسقاط أي طائرات روسية تمر عبور الحدود التركية. أخبرت تركيا الأمم المتحدة إنها حذرت الطائرتين 10 مرات على مدى خمس دقائق. فعادت واحدة، وأُسقطت الأخرى. وقُتل اثنان من الطيارين على يد الثوار التركمان في شمال سوريا حيث سقطا بعد إخراجهما من الطائرة المنكوبة.

بعد الحادث، هاجم بوتين على الفور ما أسماه موقف تركيا المتواطئ مع الدولة الإسلامية، التي تعرف أيضًا باسم داعش. وقد ألغى وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بسرعة زيارة مقررة لتركيا، وحث السياح الروس على تجنب السفر إلى هناك. وأوصت وكالة السياحة الحكومية الروسية بإلغاء الرحلات السياحية إلى تركيا. وفي الوقت نفسه، اقترح بعض النواب الروس فرض حظر على جميع الرحلات الجوية بين البلدين.

“منذ فترة طويلة نرصد تنقل كمية كبيرة من النفط إلى تركيا قادمة من الأراضي الخاضعة لسيطرة داعش. وهذا يفسر التمويل الكبير الذي يتلقاه الإرهابيون”، كما قال بوتين بعد اجتماع في منتجع سوتشي على البحر الأسود مع الملك حسين ملك الأردن. “الآن هم يطعنوننا من الخلف عبر إسقاط طائراتنا التي تحارب الإرهاب”.

تجني الدولة الإسلامية ما بين 250,000 إلى 1.5 مليون دولار في اليوم من بيع النفط والمنتجات المكررة مثل الديزل والبنزين، سواءً داخل سوريا أو عبر الحدود إلى تركيا. ولهذا فإن أصول النفط، خصوصًا المصافي المتنقلة، هي هدف رئيسي للضربات الجوية التي يشنها التحالف بقيادة الولايات المتحدة وروسيا.

قال إيمري تونكالب، أحد كبار المستشارين في مؤسسة سيدار للاستشارات العالمية، وهي شركة استشارات حول المخاطر، إن ادعاءات بوتين أن تركيا تساعد الدولة الإسلامية هي ضربة في مقتل. لم يزن بوتين كلماته وضرب تركيا حيث سيؤلمها حقًّا.

يمكن لهذا أن يزيد من التعقيدات التي تواجه مشروع خط أنابيب ستريم التركي الذي واجه بالفعل نكسات بسبب خلافات بشأن تسعير الغاز وتشكيل الحكومة التركية الجديدة في أعقاب انتخابات نوفمبر الماضي. وقد كان من المقرر أن يكون هذا المشروع المتوقف محور زيارة لافروف هذا الأسبوع.

قال تونكالب: “يبدو من غير المرجح الآن تحقيق أي تقدم ملموس في خط ستريم التركي، على الأقل في المدى القصير”.

لدى موسكو خيار آخر لجعل الحياة صعبة بالنسبة لأنقرة: تكثيف الدعم للمسلحين الأكراد الذين أرقوا لعقود الحكومة التركية. فمنذ ما يقرب من قرنين من الزمان، حافظت روسيا على علاقات وثيقة مع القبائل الكردية في العهد السوفيتي، وأقامت علاقات مع حزب العمال الكردستاني، الذي عاد مجددًا إلى القتال ضد قوات الأمن التركية. وكل من تركيا والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة يصنفون حزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية.

“تحدث بوتين علنًا ​​-وأعتقد بوضوح- بالإشارة إلى الأكراد كحلفاء في الحرب ضد داعش”، كما قال مايكل رينولدز، أستاذ دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون، “لذا فإن دعم حزب العمال الكردستاني وشركائه سيكون وسيلة سهلة لروسيا للانتقام من تركيا”.

ولكن مثل هذه الخطوة قد تكون لها عواقب وخيمة، خصوصًا أن أردوغان استخدم مكافحة حزب العمال الكردستاني كوسيلة دعاية محلية لدعم فوز حزبه هذا الشهر. وقد يكون هذا تحركًا خطيرًا بصفة خاصة في الوقت الذي قال فيه الرئيس الأمريكي باراك أوباما إن “أولويته القصوى” بعد إسقاط الطائرة الروسية هي ضمان عدم تصعيد الوضع.

قال دي جونغ: “هذه خطوة غير مرجحة على الإطلاق. فهذا سيشبه قيام الأتراك بتمويل الانفصاليين في الشيشان. وهذا خط أحمر”.

assad

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here